ChafyQinfo
خريطة غير مسبوقة لدماغ ذبابة الفاكهة تكشف أسرار الحركة والسلوك
FILE

خريطة غير مسبوقة لدماغ ذبابة الفاكهة تكشف أسرار الحركة والسلوك

21:46


 خريطة غير مسبوقة لدماغ ذبابة الفاكهة تكشف أسرار الحركة والسلوك
حقق فريق دولي من الباحثين إنجازًا كبيرًا في علم الأعصاب بعد إكمال أول خريطة شاملة للجهاز العصبي المركزي لذبابة فاكهة ذكر بالغة. 
ولا تقتصر هذه الخريطة على الدماغ فقط، بل تشمل الفصوص البصرية والحبل العصبي البطني الذي ينقل الإشارات ويساعد على التحكم في الحركة.
وتضم الخريطة نحو 166,700 خلية عصبية موزعة على أكثر من 11,000 نوع عصبي، إلى جانب ملايين الوصلات بين هذه الخلايا.
 وقد نشرت الدراسة في مجلة Cell، وشارك فيها باحثون من معهد هوارد هيوز الطبي، وحرم جانيليا للأبحاث، ومختبر البيولوجيا الجزيئية التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني، وجامعة كامبريدج، وGoogle Research.
ما المقصود بخريطة التوصيلات العصبية؟
تُعرف هذه الخريطة العلمية باسم الكونكتوم (Connectome)، وهي تمثيل تفصيلي للخلايا العصبية والروابط التي تصل بينها.
 ولا تكتفي خريطة الكونكتوم بإحصاء عدد الخلايا، بل تحاول توضيح المسارات التي تنتقل عبرها الإشارات داخل الجهاز العصبي.
فبدل أن يرى العلماء الدماغ كتلة واحدة، يستطيعون تتبع الطريق الذي يبدأ من خلية حسية، ثم يمر عبر مناطق معالجة المعلومات، وينتهي بإشارة تحرك عضلة أو تغير سلوكًا معينًا. 
ويشبه الأمر رسم شبكة طرق بالغة التعقيد، لكن بدل السيارات تتحرك فيها إشارات عصبية.
كيف أُنجز هذا العمل الضخم؟
اعتمد الباحثون على تقنيات تصوير متقدمة للحصول على صور عالية الدقة لشرائح دقيقة جدًا من الجهاز العصبي. 
بعد ذلك جرى تحليل الصور وإعادة بناء الخلايا العصبية والوصلات بينها باستخدام أدوات حاسوبية وخوارزميات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
لكن من المهم توضيح أن الذكاء الاصطناعي لم يعمل وحده؛ فقد احتاجت النتائج إلى مراجعة وتصحيح بشري للتأكد من دقة تحديد الخلايا والوصلات.
 وتصف الجهات المشاركة المشروع بأنه ثمرة ما يقارب عقدين من تطوير التصوير والبرمجيات وأساليب تحليل البيانات، بمشاركة فرق بحثية متعددة.
ماذا تشمل الخريطة؟
تشمل خريطة الجهاز العصبي المركزي لذبابة الفاكهة الذكر المناطق الآتية:
| الجزء العصبي | الوظيفة العامة |
|---|---|
| الدماغ المركزي | معالجة المعلومات واتخاذ الاستجابات السلوكية |
| الفصوص البصرية | تحليل الإشارات القادمة من العينين |
| الحبل العصبي البطني | نقل الأوامر العصبية والمساعدة في التحكم بالحركة |
| الوصلات المشبكية | تمرير الإشارات بين الخلايا العصبية |
> ملاحظة: يُفضل استخدام مصطلح الحبل العصبي البطني بدل الحبل الشوكي عند الحديث عن الحشرات؛ فالحشرات لا تمتلك عمودًا فقريًا مثل الثدييات، رغم وجود بعض أوجه التشابه الوظيفي في نقل الإشارات والتحكم بالحركة.
من الحواس إلى الحركة
تتيح هذه الخريطة للعلماء تتبع المسار الكامل للمعلومات من الحواس إلى السلوك. فعندما تلتقط عين الذبابة جسمًا متحركًا، يمكن للباحثين دراسة كيفية انتقال الإشارة من الخلايا البصرية إلى مناطق الدماغ، ثم إلى الخلايا العصبية المسؤولة عن إصدار أوامر الحركة.
وتساعد هذه البيانات على فهم كيفية اتخاذ الذبابة قرارات بسيطة، مثل:
 * الاتجاه نحو هدف معين.
 * تجنب خَطر محتمل.
 * الاستجابة لإشارة بصرية أو مذاق معين.
كما يمكن دراسة دوائر التغذية التي تربط الخلايا الحسية بالخلايا الحركية والغدد، إضافة إلى الدوائر المرتبطة بالتزاوج.
مقارنة دماغ الذكر والأنثى
من أهم جوانب المشروع أنه يتيح مقارنة دقيقة بين الجهازين العصبيين للذكور والإناث. 
ووجد الباحثون أنواعًا عصبية مشتركة بين الجنسين، إلى جانب خلايا عصبية خاصة بأحدهما، وخلايا موجودة لدى الجنسين لكنها ترتبط بخلايا أخرى بطريقة مختلفة.
وأظهر التحليل أن الاختلافات المرتبطة بالجنس تتركز بدرجة أكبر في مناطق الدماغ العليا، وهي المناطق التي ترتبط بالسلوكيات المعقدة، أما الأجزاء الحسية والحركية الأساسية، فبدت متشابهة إلى حد كبير بين الذكور والإناث.
وتشير صفحة المشروع إلى تحديد 262 نوعًا عصبيًا خاصًا بأحد الجنسين أو مختلفًا بينهما، إضافة إلى 114 نوعًا عصبيًا ثنائي الشكل الجنسي، وتشكل هذه الأنواع نسبة محدودة من خلايا الدماغ المركزي.
 كما توضح الدراسة المنشورة أن بعض الخلايا المتشابهة في الشكل قد تعيد توجيه المعلومات عبر وصلات مختلفة، وهو ما قد يفسر كيف يمكن للمدخل الحسي نفسه أن يؤدي إلى سلوكيات مختلفة بين الذكور والإناث.
ماذا تكشف الخريطة عن السلوك؟
لا تقدم الخريطة إجابة كاملة عن كيفية تفكير الذبابة، لكنها تمنح العلماء بنية يمكن اختبارها بالتجارب.
 فقد أصبح من الممكن تحديد الدوائر التي قد ترتبط بالتزاوج، العدوان، التغذية، الملاحة، والاستجابة للمؤثرات البصرية.
كما كشفت البيانات أن معالجة المعلومات البصرية لا تتوقف عند مناطق قريبة من العين، بل تمتد إلى مناطق عميقة في الدماغ وتشارك فيها نسبة كبيرة من أنواع الخلايا العصبية. 
ويساعد ذلك على فهم كيف تتحول الصورة أو الحركة إلى قرار وسلوك.
لماذا تُعد هذه الخريطة مهمة للإنسان؟
تختلف أدمغة الحشرات عن أدمغة البشر في الحجم والبنية، لذلك لا يمكن إسقاط نتائج ذبابة الفاكهة على الإنسان بصورة مباشرة. 
ومع ذلك، تشترك الكائنات الحية في مبادئ عامة، مثل:
 * استقبال المعلومات الحسية.
 * معالجتها داخل دوائر عصبية.
 * إصدار استجابة حركية أو سلوكية.
ومن خلال دراسة نظام عصبي صغير نسبيًا، يستطيع العلماء اختبار أفكار يصعب اختبارها في أدمغة أكبر وأكثر تعقيدًا. 
كما تساعد هذه المشاريع على تطوير أدوات تحليل قد تُستخدم مستقبلاً في دراسة أدمغة حيوانات فقارية (مثل الأسماك)، وربما تساهم على المدى البعيد في فهم كيفية ظهور السلوك والاضطرابات العصبية.
الخلاصة
تمثل خريطة الجهاز العصبي المركزي لذبابة الفاكهة الذكر خطوة مهمة في علم الكونكتوم؛ فقد جمعت أكثر من 166 ألف خلية عصبية وملايين الوصلات في نموذج واحد قابل للدراسة والمقارنة.
وبفضل التصوير المتقدم والذكاء الاصطناعي والمراجعة البشرية، أصبح بالإمكان تتبع مسارات الإشارة من الحواس إلى الحركة والسلوك بدرجة غير مسبوقة. 
ولا تكمن أهمية المشروع في معرفة عدد الخلايا فقط، بل في فهم كيفية تنظيمها داخل دوائر قادرة على تحويل المعلومات إلى أفعال.
ورغم أن هذه الخريطة لا تمثل دماغ الإنسان، فإنها تمنح العلماء مختبرًا عصبيًا بالغ الأهمية، وقد تساعدهم على الاقتراب من إجابة السؤال الكبير: كيف تتحول الإشارات الكهربائية والكيميائية داخل الدماغ إلى حركة وقرار وسلوك؟
المصادر
 * Sexual dimorphism in the complete Drosophila male central nervous system - Cell / PubMed <sup>[1]
 * Male CNS Connectome - Janelia Research Campus [2]
 * Scientists Complete Full Map of the Fruit Fly Brain Connectome - HHMI
خريطة غير مسبوقة لدماغ ذبابة الفاكهة تكشف أسرار الحركة والسلوك

خريطة غير مسبوقة لدماغ ذبابة الفاكهة تكشف أسرار الحركة والسلوك

اضغط تشغيل للبدء

بحث هذه المدونة الإلكترونية

فخ الهندسة الحيوية: كيف يؤثر التوتر والقلق النفسي على الأداء الجنسي للرجال؟

  تخيل أنك تقفُ وحيداً في مواجهةِ محركٍ جبار، محركٍ لا يعملُ بالوقود أو الكهرباء، بل بالنبضِ والدمِ والسيالاتِ العصبية. هذا المحركُ هو جسدك، وتلك الساحةُ هي لحظةُ الاختبارِ الحقيقية التي لطالما استعددتَ لها. أنت تبذلُ قصارى جهدك، تستجمعُ كلَّ ذرةِ تركيزٍ في عقلك، وتهمسُ لنفسك بصرامة: "اليوم سأتحكمُ في إيقاعي، اليوم سأصمدُ لفترةٍ أطول، اليوم سأكونُ أنا السيد". لكن، وفي اللحظةِ التي تظنُّ فيها أنك أحكمتَ قبضةَ السيطرة، يحدثُ ما لم يكن في الحسبان؛ يتسارعُ الزمنُ بجنون، وتنهارُ كلُّ قلاعِ المقاومةِ أسرع مما كنت تتخيل. فما الذي حدث؟ ولماذا خذلكَ عقلكَ في اللحظةِ التي كنتَ تظنُّ فيها أنه حليفكَ الأكبر؟إننا هنا بصددِ الكشفِ عن واحدٍ من أعقدِ الفخاخِ البيولوجية التي يقعُ فيها الإنسان؛ إنه "فخُّ الهندسةِ الحيوية". الحقيقةُ الصادمةُ التي يتهربُ منها الكثيرون هي أن الجسدَ البشري، وخاصةً في لحظاتِ الأداءِ الحميمي، لا يفهمُ لغة "النوايا الحسنة". إنه لا يكترثُ بوعودك الذهنية أو قراراتك الصارمة، بل يستجيبُ فقط لمنظومةٍ كيميائيةٍ وميكانيكيةٍ تعملُ خلفَ كواليسِ الوعي. محاو...

الخلايا الجذعية في ضرس العقل: كيف يغير الطب التجديدي مستقبل العلاج؟

  تخيل أنك تحملُ داخلَ جسدك "حقيبةَ طوارئ" فائقةَ التطور، تحتوي على شيفراتٍ سريةٍ قادرةٍ على ترميمِ قلبك، وإعادةِ بناءِ عظامك، بل وحتى إصلاحِ أسلاكِ جهازك العصبي التالفة. وتخيل أنَّ هذه الحقيبة ليست مخبأةً في أعماقِ النخاعِ أو في مراكزَ حيويةٍ معقدة، بل هي موجودةٌ في أكثرِ الأماكنِ التي نُهملها ونحاولُ التخلصَ منها بشتى الطرق؛ إنها تسكنُ في قلبِ "ضرس العقل". نعم، ذلك الضرسُ الذي لطالما اعتبرناهُ عبئاً تطورياً يسببُ الألمَ ويحتاجُ للاقتلاع، يخبئُ في أعماقهِ "لبّاً" نابضاً بالحياة، يحتوي على نوعٍ فريدٍ من الخلايا الجذعية يُعرفُ بـ (DPSCs). نحنُ هنا لا نتحدثُ عن مجردِ معلومةٍ طبية، بل عن "ثورةٍ بيولوجية" قد تجعلُ من أضراسنا المخلوعة "بنوكاً للحياة" في المستقبل. إننا بصددِ الكشفِ عن "المهندسِ النائم" داخلَ أضراسنا؛ تلك الخلايا التي تمتلكُ مرونةً تُشبهُ السحر، وقدرةً على التحولِ تُنافسُ خيالَ أعظمِ العلماء. فما الذي يجعلُ هذه الخلايا الصغيرةَ جداً، والموجودةَ في مساحةٍ لا تتعدى المليمترات، أملاً جديداً للبشريةِ في مواجهةِ أمراضٍ كا...

حاسة الشم والصدمات النفسية: الأسباب البيولوجية لفقدان الشم وفرط الأوسميا

 تخيل أنك تسيرُ في غابةٍ كثيفةٍ يلفها الضباب، حيثُ العينُ لا ترى أبعد من خطواتٍ قليلة، والأذنُ تختلطُ عليها أصواتُ الرياحِ بحفيفِ الشجر. في هذه اللحظة، ومن حيثُ لا تدري، يرتجفُ جسدك، وتتوسعُ حدقتاك، وتتخذُ وضعيةَ الاستعدادِ للهربِ أو القتال. ما الذي حدث؟ إنها "الرسالةُ الأولى" التي وصلت إلى أعماقِ دماغك قبل أن يدركها عقلكَ الواعي؛ لقد التقطَ أنفكَ جزيئةً كيميائيةً وحيدةً تخبرك بأنَّ هناك خطراً يتربصُ بك ع لى بُعدِ أميال. أنت الآن في حضرةِ "حاسةِ الشم"، تلك القناةِ الحسيةِ الأكثرِ قدماً وبدائية، والبابِ الملكيِّ الذي يربطنا مباشرةً بجهازنا الحوفي؛ مركزِ العواطفِ والذاكرةِ الغريزيةِ التي لا تعرفُ الكذب.إننا لا نتحدثُ هنا عن مجردِ قدرةٍ على تمييزِ العطورِ أو التلذذِ برائحةِ الطعام، بل نحنُ بصددِ الكشفِ عن "الرادارِ الحيوي" الأقوى في تاريخِ التطورِ البشري. هذا الرادارُ لا يمرُّ عبر مرشحاتِ المنطقِ أو الفكرِ البارد، بل يعملُ بلمحِ البصر، ليكتشفَ الحدود، ويحددَ الانتماء، ويشمَّ رائحةَ الغدرِ قبل أن يقع. ولكن، ماذا يحدثُ حين يضطربُ هذا الرادار؟ حين يقررُ الجسدُ ف...

الغزال الألبينو والغزال الأبلق: الفرق وأسباب اللون

 وسط الغابات والمروج ذات الألوان البنية والخضراء، قد يظهر غزال بفراء أبيض ناصع فيبدو كأنه خرج من قصة خيالية.  لكن هذا اللون المميز لا يعني دائمًا أن الحيوان مصاب بالمهق؛ فهناك أكثر من حالة وراثية يمكن أن تجعل غزال الذيل الأبيض يبدو أبيض أو مرقطا ويُعد الغزال الألبينو الحقيقي نادرًا للغاية، بينما قد تكون حالات أو اللوسية Piebaldism أخرى مثل الابيضاض الجزئي أكثر شيوعًا نسبيا. والتمييز بينها لا يعتمد على لون Leucism الفراء وحده، بل يشمل العينين والأنف والحوافر والجلد الموجود تحت الشعر ما هو المهق ؟ المهق هو حالة وراثية تؤثر في قدرة الجسم على إنتاج الميلانين وهي الصبغة المسؤولة عن لون الشعر أو الفراء والجلد والعينين.  وعندما يكون غياب الصبغة كاملاً تقريبًا، يظهر الحيوان بفراء أبيض، وقد يكون أنفه وجلده وحوافره فاتحة أو وردية، بينما تبدو العينان ورديتين أو حمراوين بسبب ظهور الأوعية الدموية .  من خلال الأنسجة قليلة التصبغ وفي الحيوانات كما في البشر، قد يؤثر نقص الميلانين في العينين ووظائف الرؤية، وليس في لون الفراء فقط.  لذلك قد يعاني الغزال الألبينو من حساسية للضوء أو...