ChafyQinfo
فيليكسباومغارتنر: كيف كسر حاجز الصوت بالسقوط الحر؟
FILE

فيليكسباومغارتنر: كيف كسر حاجز الصوت بالسقوط الحر؟

09:39


 في 14 أكتوبر 2012، فتح النمساوي "فيليكس باومغارتنر" باب كبسولة على ارتفاع يقارب 39 كيلومترًا فوق سطح الأرض، ثم خطا خطوة إلى الفراغ.
 لم تكن هناك طائرة تحمله، ولا محرك يدفعه، ولا جناح يساعده على التحليق. 
كان معه فقط بدلة ضغط مصممة خصيصًا، ومظلة، وتجربة محفوفة بالمخاطر جعلت العالم كله يراقب.
كان باومغارتنر جزءًا من مهمة Red Bull Stratos، التي هدفت إلى اختبار حدود السقوط الحر والإنسان والمعدات في طبقات الغلاف الجوي العليا.
 صعد داخل كبسولة معلقة ببالون ضخم مملوء بالهيليوم من صحراء نيو مكسيكو، حتى وصل إلى ارتفاع 38,969.4 مترًا (أي نحو 127,852 قدمًا)
بداية الرحلة إلى حافة الفضاء
استغرقت رحلة الصعود نحو ساعتين، وخلالها ارتفعت الكبسولة تدريجيًا وسط ضغط جوي منخفض ودرجات حرارة قاسية.
 وعلى هذا الارتفاع، يصبح الهواء أرق بكثير من الهواء قرب سطح الأرض، كما تقل قدرة الجسم على التنفس بصورة طبيعية.
لهذا السبب، لم تكن البدلة التي ارتداها باومغارتنر مجرد بدلة واقية عادية، بل نظامًا للحماية والحفاظ على الضغط والاتصال وتزويد الجسم بالهواء المناسب. 
وقد وصف متحف الطيران والفضاء الوطني الكبسولة بأنها زُوّدت بأنظمة دعم حياة واتصالات ضرورية للبقاء في بيئة شديدة البرودة ومنخفضة الأكسجين.
عندما بلغ الارتفاع المطلوب، فتح "باومغارتنر" باب الكبسولة ووقف على الحافة.
 وبعد لحظات من التردد والتركيز، قال عبارته الشهيرة: "أنا ذاهب إلى المنزل الآن"، ثم قفز نحو الأرض.
كيف تجاوز سرعة الصوت؟
في بداية السقوط، بدأ جسده يتسارع بسرعة كبيرة بفعل الجاذبية.
 وعلى الرغم من أن مقاومة الهواء تزداد عادة مع السرعة، فإن الهواء في ذلك الارتفاع كان رقيقًا جدًا، مما سمح له بالوصول إلى سرعة استثنائية.
بلغت سرعته القصوى نحو 1,357.6 كيلومترًا في الساعة (أو 843.6 ميلًا في الساعة)، وهي سرعة تعادل تقريبًا ماخ 1.25.
 وبذلك أصبح أول إنسان يتجاوز سرعة الصوت خلال سقوط حر من دون أن يكون داخل طائرة أو يستخدم محركًا للدفع.
لم يكن الأمر مجرد رقم على شاشة القياس؛ فعندما يمر جسم بسرعة تفوق سرعة الصوت، تتغير طبيعة تدفق الهواء حوله، وقد تظهر قوى واضطرابات يصعب توقعها. 
وكان على باومغارتنر أن يحافظ على وضع جسمه قدر الإمكان، لأن فقدان السيطرة في تلك المرحلة كان يمكن أن يؤدي إلى دوران خطير.
لحظات الدوران الخطرة
بعد مغادرة الكبسولة، بدأ باومغارتنر في الدوران حول نفسه.
 لم يكن الدوران في البداية خارج السيطرة تمامًا، لكنه ازداد خطورة مع تسارع السقوط. 
وكان التحدي أن يستعيد وضعية مستقرة من دون وجود أجنحة أو أدوات توجيه تقليدية.
أشار باومغارتنر لاحقًا إلى أن الدوران كان عنيفًا، وأنه خشي للحظات من فقدان الوعي.
 وتمكن في النهاية من استعادة السيطرة على جسده ومواصلة السقوط بطريقة أكثر استقرارًا.
وتكشف هذه اللحظة أن القفزة لم تكن مشهدًا استعراضيًا فحسب؛ فقد كانت تجربة حقيقية اقترب فيها الإنسان من حدود قدرته على التحكم بجسمه في بيئة تختلف جذريًا عن ظروف القفز بالمظلة المعتادة.
مدة السقوط والهبوط
استمر السقوط الحر نحو 4 دقائق و20 ثانية، قبل أن يفتح باومغارتنر مظلته ويبدأ مرحلة الهبوط الأخيرة.
 وبحسب متحف الطيران والفضاء الوطني، عاد إلى الأرض سالمًا بعد هذه المدة، مسجلًا فصلًا مهمًا في تاريخ الطيران بالبالونات والرحلات عالية الارتفاع.
ومن المهم التمييز بين السقوط الحر والرحلة الكاملة؛ فالمهمة بأكملها، من لحظة القفز حتى ملامسة الأرض، استغرقت نحو 9 دقائق، بينما كان الجزء الأول منها سقوطًا حرًا قبل فتح المظلة.
مهمة علمية وليست مغامرة فقط
رغم أن المشاهدين ركزوا على جرأة القفزة، فإن مهمة Red Bull Stratos كانت أيضًا مشروعًا علميًا وطبيًا واسعًا. 
فقد رُصدت المؤشرات الحيوية لباومغارتنر خلال الصعود والسقوط، وُجمعت أكثر من 100 مليون نقطة بيانات فسيولوجية، شملت معلومات عن القلب والتنفس واستجابة الجسم للارتفاع والبرودة والسرعة والضغط المنخفض
قدمت هذه البيانات فرصة نادرة لدراسة جسم الإنسان أثناء سقوط حر أسرع من سرعة الصوت.
 كما ساعدت المهمة على تطوير المعرفة المتعلقة ببدلات الضغط وأنظمة دعم الحياة ووسائل الاتصال والسلامة في البيئات القريبة من الفضاء.
الأرقام القياسية التي سجلها باومغارتنر
سجلت المهمة عدة أرقام قياسية مهمة، من أبرزها أعلى ارتفاع لقفزة بالمظلة، وأعلى سرعة في سقوط حر، وأول عبور بشري لحاجز الصوت خلال سقوط حر. 
كما سجلت القفزة مسافة رأسية هائلة قبل الوصول إلى الأرض.
لكن بعض الأرقام تغيرت لاحقًا؛ ففي عام 2014، حطم آلان يوستاس الرقم القياسي لأعلى قفزة سقوط حر عندما قفز من ارتفاع أعلى بلغ 41,422 مترًا. 
ومع ذلك، بقي إنجاز باومغارتنر التاريخي بوصفه أول إنسان يكسر حاجز الصوت بالسقوط الحر.
ملخص أرقام المهمة
| العنصر | الرقم أو النتيجة |
|---|---|
| تاريخ القفزة | 14 أكتوبر 2012 |
| موقع الإطلاق | نيو مكسيكو، الولايات المتحدة |
| ارتفاع القفز | 38,969.4 مترًا تقريبًا |
| السرعة القصوى | 1,357.6 كم/ساعة |
| السرعة التقريبية | ماخ 1.25 |
| مدة السقوط الحر | 4 دقائق و20 ثانية |
| مدة الرحلة حتى الهبوط | نحو 9 دقائق |
| أبرز إنجاز | أول إنسان يكسر حاجز الصوت في سقوط حر |
ماذا بقي من المهمة؟
لم تترك القفزة أرقامًا قياسية فقط، بل تركت أيضًا بيانات وتجارب يمكن الاستفادة منها في أبحاث الطيران والفضاء.
 كما أصبحت الكبسولة التي صعد فيها باومغارتنر جزءًا من مجموعة متحف الطيران والفضاء الوطني، حيث يُعرض للزوار في مركز ستيفن إف. 
أودفار-هازي بولاية.
وتبقى المهمة مثالًا على تداخل المغامرة مع الهندسة والطب والفيزياء.
 فقد احتاج الوصول إلى تلك اللحظة إلى سنوات من التخطيط والتطوير والاختبارات، لأن أي خلل في البدلة أو الاتصال أو أنظمة الكبسولة كان يمكن أن يحول القفزة إلى كارثة.
الخلاصة
لم يكن فيليكس باومغارتنر يهبط من السماء فحسب، بل كان يختبر قدرة الإنسان على البقاء والتحكم في جسده داخل واحدة من أكثر بيئات الغلاف الجوي قسوة.
 ومن ارتفاع يقارب 39 كيلومترًا، وصل إلى سرعة تجاوزت سرعة الصوت، ثم استعاد السيطرة وفتح مظلته ليعود إلى الأرض سالمًا.
قد تتغير الأرقام القياسية مع مرور الوقت، لكن اللحظة التي كسر فيها إنسان حاجز الصوت بالسقوط الحر ستظل علامة بارزة في تاريخ الطيران والاستكشاف.
 فقد جمعت قفزة Red Bull Stratos بين الجرأة والبحث العلمي، وأظهرت إلى أي مدى يمكن للتكنولوجيا أن تدفع حدود ما يعتقد الإنسان أنه ممكن.
الرابط المقترح: felix-baumgartner-space-jump
المصادر
 * Felix Baumgartner: First Person to Break the Sound Barrier in Freefall - Guinness World Records
 * A Decade Since the Long Fall from Red Bull Stratos - National Air and Space Museum
 * The Science of Red Bull Stratos - Red Bull
فيليكسباومغارتنر: كيف كسر حاجز الصوت بالسقوط الحر؟

فيليكسباومغارتنر: كيف كسر حاجز الصوت بالسقوط الحر؟

اضغط تشغيل للبدء

بحث هذه المدونة الإلكترونية

فخ الهندسة الحيوية: كيف يؤثر التوتر والقلق النفسي على الأداء الجنسي للرجال؟

  تخيل أنك تقفُ وحيداً في مواجهةِ محركٍ جبار، محركٍ لا يعملُ بالوقود أو الكهرباء، بل بالنبضِ والدمِ والسيالاتِ العصبية. هذا المحركُ هو جسدك، وتلك الساحةُ هي لحظةُ الاختبارِ الحقيقية التي لطالما استعددتَ لها. أنت تبذلُ قصارى جهدك، تستجمعُ كلَّ ذرةِ تركيزٍ في عقلك، وتهمسُ لنفسك بصرامة: "اليوم سأتحكمُ في إيقاعي، اليوم سأصمدُ لفترةٍ أطول، اليوم سأكونُ أنا السيد". لكن، وفي اللحظةِ التي تظنُّ فيها أنك أحكمتَ قبضةَ السيطرة، يحدثُ ما لم يكن في الحسبان؛ يتسارعُ الزمنُ بجنون، وتنهارُ كلُّ قلاعِ المقاومةِ أسرع مما كنت تتخيل. فما الذي حدث؟ ولماذا خذلكَ عقلكَ في اللحظةِ التي كنتَ تظنُّ فيها أنه حليفكَ الأكبر؟إننا هنا بصددِ الكشفِ عن واحدٍ من أعقدِ الفخاخِ البيولوجية التي يقعُ فيها الإنسان؛ إنه "فخُّ الهندسةِ الحيوية". الحقيقةُ الصادمةُ التي يتهربُ منها الكثيرون هي أن الجسدَ البشري، وخاصةً في لحظاتِ الأداءِ الحميمي، لا يفهمُ لغة "النوايا الحسنة". إنه لا يكترثُ بوعودك الذهنية أو قراراتك الصارمة، بل يستجيبُ فقط لمنظومةٍ كيميائيةٍ وميكانيكيةٍ تعملُ خلفَ كواليسِ الوعي. محاو...

الخلايا الجذعية في ضرس العقل: كيف يغير الطب التجديدي مستقبل العلاج؟

  تخيل أنك تحملُ داخلَ جسدك "حقيبةَ طوارئ" فائقةَ التطور، تحتوي على شيفراتٍ سريةٍ قادرةٍ على ترميمِ قلبك، وإعادةِ بناءِ عظامك، بل وحتى إصلاحِ أسلاكِ جهازك العصبي التالفة. وتخيل أنَّ هذه الحقيبة ليست مخبأةً في أعماقِ النخاعِ أو في مراكزَ حيويةٍ معقدة، بل هي موجودةٌ في أكثرِ الأماكنِ التي نُهملها ونحاولُ التخلصَ منها بشتى الطرق؛ إنها تسكنُ في قلبِ "ضرس العقل". نعم، ذلك الضرسُ الذي لطالما اعتبرناهُ عبئاً تطورياً يسببُ الألمَ ويحتاجُ للاقتلاع، يخبئُ في أعماقهِ "لبّاً" نابضاً بالحياة، يحتوي على نوعٍ فريدٍ من الخلايا الجذعية يُعرفُ بـ (DPSCs). نحنُ هنا لا نتحدثُ عن مجردِ معلومةٍ طبية، بل عن "ثورةٍ بيولوجية" قد تجعلُ من أضراسنا المخلوعة "بنوكاً للحياة" في المستقبل. إننا بصددِ الكشفِ عن "المهندسِ النائم" داخلَ أضراسنا؛ تلك الخلايا التي تمتلكُ مرونةً تُشبهُ السحر، وقدرةً على التحولِ تُنافسُ خيالَ أعظمِ العلماء. فما الذي يجعلُ هذه الخلايا الصغيرةَ جداً، والموجودةَ في مساحةٍ لا تتعدى المليمترات، أملاً جديداً للبشريةِ في مواجهةِ أمراضٍ كا...

حاسة الشم والصدمات النفسية: الأسباب البيولوجية لفقدان الشم وفرط الأوسميا

 تخيل أنك تسيرُ في غابةٍ كثيفةٍ يلفها الضباب، حيثُ العينُ لا ترى أبعد من خطواتٍ قليلة، والأذنُ تختلطُ عليها أصواتُ الرياحِ بحفيفِ الشجر. في هذه اللحظة، ومن حيثُ لا تدري، يرتجفُ جسدك، وتتوسعُ حدقتاك، وتتخذُ وضعيةَ الاستعدادِ للهربِ أو القتال. ما الذي حدث؟ إنها "الرسالةُ الأولى" التي وصلت إلى أعماقِ دماغك قبل أن يدركها عقلكَ الواعي؛ لقد التقطَ أنفكَ جزيئةً كيميائيةً وحيدةً تخبرك بأنَّ هناك خطراً يتربصُ بك ع لى بُعدِ أميال. أنت الآن في حضرةِ "حاسةِ الشم"، تلك القناةِ الحسيةِ الأكثرِ قدماً وبدائية، والبابِ الملكيِّ الذي يربطنا مباشرةً بجهازنا الحوفي؛ مركزِ العواطفِ والذاكرةِ الغريزيةِ التي لا تعرفُ الكذب.إننا لا نتحدثُ هنا عن مجردِ قدرةٍ على تمييزِ العطورِ أو التلذذِ برائحةِ الطعام، بل نحنُ بصددِ الكشفِ عن "الرادارِ الحيوي" الأقوى في تاريخِ التطورِ البشري. هذا الرادارُ لا يمرُّ عبر مرشحاتِ المنطقِ أو الفكرِ البارد، بل يعملُ بلمحِ البصر، ليكتشفَ الحدود، ويحددَ الانتماء، ويشمَّ رائحةَ الغدرِ قبل أن يقع. ولكن، ماذا يحدثُ حين يضطربُ هذا الرادار؟ حين يقررُ الجسدُ ف...

الغزال الألبينو والغزال الأبلق: الفرق وأسباب اللون

 وسط الغابات والمروج ذات الألوان البنية والخضراء، قد يظهر غزال بفراء أبيض ناصع فيبدو كأنه خرج من قصة خيالية.  لكن هذا اللون المميز لا يعني دائمًا أن الحيوان مصاب بالمهق؛ فهناك أكثر من حالة وراثية يمكن أن تجعل غزال الذيل الأبيض يبدو أبيض أو مرقطا ويُعد الغزال الألبينو الحقيقي نادرًا للغاية، بينما قد تكون حالات أو اللوسية Piebaldism أخرى مثل الابيضاض الجزئي أكثر شيوعًا نسبيا. والتمييز بينها لا يعتمد على لون Leucism الفراء وحده، بل يشمل العينين والأنف والحوافر والجلد الموجود تحت الشعر ما هو المهق ؟ المهق هو حالة وراثية تؤثر في قدرة الجسم على إنتاج الميلانين وهي الصبغة المسؤولة عن لون الشعر أو الفراء والجلد والعينين.  وعندما يكون غياب الصبغة كاملاً تقريبًا، يظهر الحيوان بفراء أبيض، وقد يكون أنفه وجلده وحوافره فاتحة أو وردية، بينما تبدو العينان ورديتين أو حمراوين بسبب ظهور الأوعية الدموية .  من خلال الأنسجة قليلة التصبغ وفي الحيوانات كما في البشر، قد يؤثر نقص الميلانين في العينين ووظائف الرؤية، وليس في لون الفراء فقط.  لذلك قد يعاني الغزال الألبينو من حساسية للضوء أو...